شبان الـ “buddy’s” وتبادل التعلّم

كتابة: سيمونا فيرباس ومارتشي دي خرويتر
ترجمة عن الهولندية: فادي طفيلي
تصوير: يورام بلومكفيست

نشاط “بودي تو بودي يونغ” (Buddy to Buddy Young) هو جزء من “برنامج الخدمة الاجتماعية” الحكومي. من خلاله يتعارف الوافدون الجدد والهولنديون ممن تتراوح أعمارهم بين الـ 12 والـ 30 عامًا، ويشكلوا معًا حالة اجتماعية.

كيف سار اللقاء الأول في عشاء التعارف؟ “كان جميلًا جدًا”، تقول ميريل (27 عامًا). “دخلنا فورًا في حديث السياسة”، يضيف محمد (32 عامًا)، “كما تحدثنا أيضًا عن الكتب، والركض”. وفي الحصيلة قرر الـ “buddy’s” اللذان تعارفا للتوّ، الركض معًا. عن هذا تقول ميريل: “عقب لقائنا الأول وبعد التعارف قررنا الركض معًا، صحيح؟” محمد، من جهته، يتذكر ذلك بدقة، فيضيف: “كان شهر نيسان (أبريل)، وكنا في أميليسفيرد والطقس كان رائعًا”.

وخلال الأشهر الأربعة من الدورة التي جمعتهما ضمن أنشطة المنظمة، شارك محمد وميريل “buddy’s” آخرين في نشاط “بودي تو بودي يونغ”، المتفرّع من “برنامج الخدمة الاجتماعية”، وفق ما تخبرنا بوك (27 عامًا)، المدربة في هذا النشاط. وبوك، التي تلتقي دائمًا بميريل ومحمد في نشاط “مقهى بودي”، سألت ميريل في أحد اللقاءات إن تود تنظيم نشاط ركض يشترك به عدد أكبر من الأشخاص، لأن الأمر بدا لها حيويًّا ويتلاءم مع توجه الـ “بودي يونغ”.

أربعة أشهر من المشاركة والتعاون

بدأ نشاط “بودي تو بودي يونغ” في العام 2022. وهو يمثّل صيغة مواءمة وتقريب أطلقتها منظمة “بودي تو بودي” مخصصة للشبان والأحداث ممن تتراوح أعمارهم بين الـ 12 و30 عامًا. وتندرج هذه الصيغة ضمن برنامج أعرض، يعرف بـ “ببرنامج الخدمة الاجتماعية” (Maatschappelijke Diensttijd)، كما تهدف إلى منح الفرصة للشبان وصغار السن كي يتبادلوا المواهب ويلتقوا بأشخاص من خارج فقاعاتهم الاجتماعية، ويسهموا إيجابيًا تجاه الآخرين.

فالشبان المهتمون الذين يختارون الانضمام إلى برنامج الـ “بودي يونغ” ينخرطون في تواصل مباشر مع وافدين جدد، يتميزون مثلهم بالفضول والاهتمام. وعلى قاعدة التواصل المتكافئ طوال أشهر أربعة يتعرف كل منهم ومن قرب على عالم الصديق المقابل، وذلك عبر لقاءات مثمرة يعقدونها في إطار منظمة “بودي تو بودي” ومن خلال أنشطة ترفيهية وأحاديث ونقاشات تمجمعهم على مدى تلك الفترة.

لكن هذا لا يمثل كل ما يتيحه نشاط الـ “بودي يونغ”. فالمشاركون يحظون أيضًا بدعم من مدربين محلّيين يعملون ضمن البرنامج. ويكون المدربون حاضرين للقيام بأدوار مختلفة، كتفعيل الأنشطة، والمشاركة في الحوارات، أو تحفيز المساهمات، إن احتاج المشاركون في البرنامج إلى تحفيز يساعدهم في بلورة مساهماتهم ضمن المجموعة. ويطرح المدربون ضمن الـ “بودي يونغ” على المشاركين في هذا السياق مهام وتحديات تهدف إلى إظهار مواهبهم واكتشافها وتطويرها عبر تطبيق الأفكار التي يبتكرونها بأنفسهم.

أصدقاء يشجعون بعضهم بعضًا

وفي إطار الـ “بودي يونغ” أشرفت ميريل مع محمد على تطوير نشاط ركض انطلق عفويًا وتحويله إلى فريق ركض مداوم ومتماسك. وتقوم ميريل عبر مجموعة المحادثة التي تربط المشاركين بالنشاط في اقتراح مواعيد لقاءات عديدة أسبوعيًا. ثم يجتمع فريق العدائين في متنزّه “أوتريختسي خريفتبارك” ويركضون مسافة خمسة كيلومترات بإيقاع معتدل يلائم كل المستويات. أحيانًا يكون ميريل ومحمد الحاضرين الوحيدين في نشاط الركض هذا، لكن في أغلب الأحيان ينضم إليهما فريق من عشرة أفراد. وتشعر بوك، المدربة الشابة، بالفخر إزاء ذلك؛ “ففي كل أسبوع تصلنا صور العدائين ويتم تداولها فيما بيننا”، تقول.

وحين أراد محمد الاشتراك ببطولة “زيفينهوفيلينلوب نايميخن”، راحت ميريل تتدرب معه. وفي يوم البطولة، فيما كان يقف مستعدًا على خط انطلاق السباق، التقطت ميريل صورة له رافعًا إبهامه علامة استعداد. ثم شاركت الصورة مع مجموعة المحادثة، فتفاعل الجميع بحماسة متمنين الفوز والنجاح لمحمد. “هذا جميل جدًا ومؤثر”، تقول بوك. إذ “ما بدأ كنشاط لشخصين تعارفا في لقاء مواءمة، بات الآن مجموعة متكاملة يتآزر أفرادها ويشجعون بعضهم بعضًا”.

“أرى أن الركض معًا يمثل طريقة عملية وسريعة للقيام بأشياء جميلة مع أشخاص لم تتعمق بعد معرفتك بهم”، تقول ميريل. فالمجموعة مفتوحة للجميع: عدائين محترفين، مبتدئين، شبان هولندييين ووافدين جدد. وقد استفاد محمد من تلك اللقاءات الحيوية لتحسين لغته الهولندية. “الأمر بالنسبة لي لم يكن فقط للرياضة. لقد كان أيضًا درسًا في اللغة ونحن في ثياب رياضية. في البداية كنا دائمًا نستخدم اللغة الإنكليزية. الآن انتقلنا تمامًا إلى الهولندية”.

وجودك هنا سعادة لي

يسهم برنامج “الخدمة الاجتماعية” في ابتكار لقاءات ذات معنى بين المواطنين الهولنديين وبين أشخاص لا يكون اللقاء بهم في العادة متاحًا بسهولة…

منار وريما من مدينة بريدا

منار وريما من مدينة بريدا بدأتا تجربتهما في نشاط “بودي يونغ” وطورتاها ليصبحا مدربتين ضمن البرنامج. “نحرص قدر المستطاع على المشاركة والحضور في أنشطة المجموعة. ظهورنا ومشاركتنا مهمان بالنسبة لـ “يونغ بوديز”. إذ بذاك الحضور نسهم ببعض التنشيط، ورسالتنا تقول: نحن هنا، هل ستأتون؟” كما نقوم كل يوم أربعاء بنشر قصة على السوشال ميديا. هكذا أمور على ما نلاحظ لها تأثير في مسألة تذليل العقبات”. والشبان أنفسهم يرحبون بهذه الأنشطة ويدعمونها بقدر المستطاع. “ندعوهم قائلين: هيا بنا، يمكنكم تنظيم هذا النشاط أو ذاك بأنفسكم، فنحن نؤمن بكم”. حينها نراهم قد حضروا وبادروا.

وهنا ثمة إمكانية للتجربة. تشرح منار ذلك عبر قولها: “نعطي انطباعًا للفرد أن بوسعه في الحقيقة القيام بكل الأمور ما دام منفتحًا تجاهها شخصيًا. وذاك ينطبق علينا جميعًا”.

“كما أننا أحيانًا نطرح أفكارًا ونتساءل إزاءها إن كانت بالغة الغرابة. حينها نعود لمنسق المشروع طالبين المشورة: “رائع!” يأتي الجواب. فنتأكد إذّاك فعلًا أننا نتمتع بحرية التجربة والتعلّم، وأيضًا بحق ارتكاب الأخطاء. وذاك برأيي أجمل شيء في هذه المشاريع”.

من مشاركين في “برنامج الخدمة الاجتماعية” إلى مجموعة أصدقاء

على هذا النحو نفسه طورت هينتي تجربتها لتغدو مدربة في نشاط “بودي يونغ”. وهي من خلال دورها كمدربة تقوم بتشجع الـ “يونغ بوديز” على توسعة أفق تفكيرهم وتنظيم الأنشطة المختلفة، مثل أمسيات الألعاب ترفيهية، ومباريات كرة القدم، والمحترفات الإبداعية، وإلى ما هنالك. “عندما تتفقون على هذه الأنشطة فيما بينكم يمكنني المساعدة في عملية التنظيم”، تقول لهم.

“بالنسبة للكثير من الوافدين الجدد فإن الشخص الهولندي الذي يلتقونه هنا ضمن أنشطة “بودي تو بودي” قد يكون صديقهم الهولندي الوحيد. بيد أن هذا الفرد الهولندي لا يمثل هولندا كلها، والعكس صحيح من جهتهم. لذا من المهم جدًا التعرف إلى مجموعة كاملة من الأفراد في آن واحد، وبالتالي إلى شخصيات وقصص مختلفة. وذاك يسهم في تكثيف هذه التجربة، فلا تكون مجرد مشاركة في “برنامج خدمة اجتماعية” ضمن منظمة “بودي تو بودي”. إنها صيغة تخلق مجموعة من الأصدقاء، وتلك مسألة بالغة الأهمية بالنسبة للجهتين، الهولنديين والوافدين. إذ إن الشبان الهولنديين بدورهم يحتاجون للصداقة”.

مصلحة الأفراد الذاتية يمكنها الابتكار أيضًا

الدعائم الثلاث في برنامج “الخدمة الاجتماعية” هي: التطور الذاتي، إقامة فضاء علاقات جديدة ذات أهمية، ومنح نشاط “بودي تو بودي يونغ” وجهة واضحة. إلى هذا فإن كل المشاركين بهذا النشاط لديهم الحرية، بطريقة مناسبة طبعًا، في إضافة مضمون محدد بسياق النشاط عينه. وذاك يخلق خطّ تطورات مفعمًا بالبهجة في مختلف دورات “بودي تو بودي يونغ”، وهو خطّ يمتد ليبلغ كافة مجموعات الصداقة الناشئة منه في مختلف أنحاء البلاد.

هينتي، المدربة في نشاط “بودي يونغ”، وانطلاقًا من فضولها ودراستها للإعلام، أعدت فيلمًا وثائقيًا عن تجربة خديجة وسارة، المشاركتين في هذا البرنامج. وقد سعت هينتي في فيلمها إلى الإجابة عن سؤال لم يفارقها كفتاة: من هم أولئك الذين يعيشون خلف نوافذ الـ”azc”؟ وقامت من خلال كاميرتها باقتفاء تجربة خديجة وسارة. “فهما طورتا علاقة متينة بينهما. وتروي سارة كم تعلمت من خديجة وهي تخرج من مساحة أمانها الذاتي مرة تلو الأخرى بغية تطوير العلاقة بينهما. كما تعلمت خديجة، في المقابل، كل شيء عن الثقافة والتقاليد الهولندية من خلال سارة. وذاك بدا تبادلًا حقيقيًا بكل ما للكلمة من معنى”.

وحين تتذكر هينتي كيف كانت وهي طالبة تمر بالدراجة الهوائية بمحاذاة الـ “azc”، ترى أن فارقًا كبيرًا تحقق الآن. عن ذلك تقول، “كنت أفكر: من هم فعلًا كل أولئك الأشخاص؟ راهنًا بت أعرف أشخاصًا كثيرين من المقيمين في الـ “azc”. والفاصل بين الـ “هم” والـ “نحن” غدا أوهى بكثير”.

“حين تكون بعيدًا من أمر ما، يسهل اتخاذ موقف سلبي تجاهه”، تقول ميستي. “لا، لا أعرف هذا الأمر ولا أفهمه، ولن أقوم بذاك الشيء (…) وإلى ما هنالك من مواقف سلبية. فقط عندما نقترب من الآخرين ونشاركهم، نكتشف من هم”. وميستي تتمنى أن يقوم الشبان، الوافدون الجدد كما الهولنديون، بالتخلي عن أحكامهم المسبقة. “فقبل أن تبدأ في إطلاق أحكامك المسبقة من بُعد”، تقول، “انضم إلينا واختبر دفء التآزر والمشاركة. ابدأ بأحاديث مع أشخاص لا تعرفهم. حينها فقط يمكنك اكتشاف من هم وما يحركهم، وما الذي يمكنك أن تعلّمهم إياه، وتتعلّمه منهم”.

“برنامج الخدمة الاجتماعية” (MDT) هو برنامج وضعته وزارة التعليم والثقافة والعلوم الهولندية وتتعاون من خلاله مع المنظمات الشبابية والحكومية المحلية، ومع المدارس والبلديات ووزارات أخرى.
Doemeemetmdt.nl