كيف يمكن للقاء بسيط أن يغيّر المجتمع؟

العلاقات الإنسانية المباشرة تبني الثقة بين الناس

قد يبدو اللقاء بين شخصين أمرًا بسيطًا، لكنه في الواقع قد يترك أثرًا عميقًا. فماذا يحدث عندما لا تكون هناك علاقة واحدة فقط، بل مئات العلاقات التي تنشأ بين الناس؟

غالبًا ما يبدأ الأمر بشيء بسيط. شخصان لم يلتقيا من قبل يجلسان على طاولة في مقهى، بشيء من التردد. أحدهما وصل لتوّه إلى هولندا، يحمل في ذهنه الكثير من الاستمارات والرفض والكلمات الجديدة. أما الآخر فيعرف المدينة جيدًا، لكنه لم يسبق له أن تحدث مطولًا مع لاجئ. بعد ساعة، تكون فناجين القهوة قد فرغت، ويكون الحديث قد كسر الحواجز الأولى. يضحكان على بعض سوء الفهم، وتُروى قصة عن قرية في سوريا أو إريتريا، وتتنقل صور الأطفال على الهاتف بينهما. وبعد بضعة أشهر قد تنشأ عادة صغيرة: زيارة السوق معًا، أو نزهة على ضفة النهر. وربما رسالة قصيرة على الهاتف عندما يشعر أحدهما بأن يومه لم يكن جيدًا.

مبادرات التعارف، مثل Buddy to Buddy، تقوم بالضبط على مثل هذه اللقاءات. إذ تربط المنظمة بين الوافدين الجدد وسكان هولنديين يعيشون في المدينة نفسها. يحدث ذلك في بلديات عديدة في أنحاء البلاد، من خرونينغن إلى بريدا، ومن زيست إلى إنسخيده. تُسمّى هذه العلاقات “مطابقات” أو “ثنائيات”، وهي ليست علاقة مساعدة تقليدية بين مقدّم خدمة ومستفيد. الفكرة الأساسية هي التواصل المتكافئ بين شخصين. قد يعني ذلك مثلًا الطهي معاً: خبز الإنجيرا الإريتري أو الفطائر الهولندية مع الشراب السكري. أو شرب القهوة: قهوة عربية أو قهوة Douwe Egberts الهولندية. قد يركبان الدراجة معًا تحت المطر، أو يتمشيان في الحي، أو يزوران السوق. وربما يحضر الوافد الجديد أول عيد ميلاد هولندي، حيث يسأله أحدهم بهدوء عمّا يُفترض أن يجلبه معه، ومتى يكون من اللائق أن يغادر. 

أحيانًا يساعد الصديق الهولندي في أمور عملية: ملء استمارة، أو تسجيل الدخول إلى DigiD، أو فهم رسالة من البلدية. لكن هذه ليست الغاية الأساسية. فالعلاقة نفسها هي الهدف. تقول منظمة Buddy to Buddy إن الناس قد يختلفون عن بعضهم إلى أقصى حد، ومع ذلك يمكنهم أن يشعروا بارتباط قوي ببعضهم. وتُظهر التجربة أن لهذه اللقاءات أثرًا ملموسًا. فالمنظمة تتابع منذ سنوات تأثير هذه العلاقات عبر الاستبيانات والمقابلات بعد انتهاء فترات التعارف. ويقول المشاركون – سواء كانوا وافدين جددًا أو هولنديين – إنهم يشعرون بوحدة أقل وبانتماء أكبر إلى محيطهم، كما ينظرون إلى المستقبل بثقة أكبر. 

بالنسبة للوافدين الجدد، تتحسن اللغة الهولندية، ويصبح من الأسهل عليهم فهم طريقهم في المجتمع، كما يشعرون بأنهم لم يعودوا يُختزلون في كلمة “لاجئ”، بل يُنظر إليهم كبشر أولًا. أما الهولنديون، فيقول كثير منهم إن صورتهم عن “لاجئ” تغيرت. فلم يعودوا يرون مجموعة واحدة متشابهة، بل أشخاصًا مختلفين: لكل منهم اسمه، وروح الدعابة الخاصة به، واهتماماته ومواهبه.

وسيلة لمواجهة الاستقطاب

لكن ماذا يحدث عندما لا يكون اللقاء بين شخصين فقط، بل بين مئات الأشخاص في مدينة واحدة؟ ما تأثير ذلك على التماسك الاجتماعي وعلى الاندماج في المجتمع ككل؟ وهل يمكن لمثل هذه العلاقات أن تساعد في الحد من الاستقطاب المتزايد في المجتمع؟

بالنسبة للوافدين الجدد، فإن الشعور بالمسافة عن المجتمع غالبًا ما يكون جزءًا من البداية. فهم يصلون إلى بلد تختلف فيه اللغة والعادات وروح الدعابة والقواعد غير المكتوبة. وفي الوقت نفسه، أصبح النقاش السياسي حول الهجرة أكثر حدّة. ففي الحملات الانتخابية تتكرر كلمات مثل “التدفق” و”إغلاق الحدود”، بينما يبدو أن المساحة للنقاش الهادئ تتقلص في البرامج الحوارية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي.

وعندما يُعلن عن إنشاء مركز استقبال جديد لطالبي اللجوء في مكان ما في هولندا، تظهر سريعًا الاحتجاجات: لافتات على الطرق، اجتماعات غاضبة في قاعات البلديات، عرائض شديدة اللهجة أو احتجاجات مرورية. أحيانًا يكون الاعتراض على القرار نفسه، وأحيانًا على الأشخاص الذين سيأتون للعيش هناك. 

داخل مراكز الاستقبال نفسها قد تسود أجواء من التوتر أيضًا: سنوات من الانتظار وعدم اليقين، وصالات نوم مكتظة، وظروف معيشية صعبة. وخارج أسوار هذه المراكز تنتشر روايات نادرًا ما تكون صحيحة: أن الحاصلين على الإقامة يحصلون على كل المساكن الاجتماعية، أو أن الجريمة ستزداد تلقائيًا، أو أن “الحي سيتغير”. في مثل هذا المناخ يفقد “اللاجئ” وجهه الإنساني تدريجيًا، ويصبح مجرد فئة أو تصنيف يمكن إسقاط المخاوف عليه. ويزيد الخطاب السياسي من ذلك حين يتحدث عن الأعداد والكتلة، بدل الحديث عن البشر وقصصهم. مجموعة مجهولة يصعب على الناس أن يشعروا بعلاقة معها.

وفي الوقت نفسه، تتجه المجتمعات أكثر نحو الاستقطاب. فالكثير من الناس يعيشون داخل دوائر اجتماعية متشابهة. أما الأماكن التي يمكن أن تكسر هذه الدوائر – مثل المراكز المجتمعية أو مشاريع التعارف أو المبادرات التطوعية – فهي غالبًا تحت ضغط بسبب تقليص الميزانيات أو الشكوك السياسية حولها.

المعرفة تقرّب الناس

كيف يمكن كسر هذه الحلقة؟ يشير عالم الاجتماع Han Entzinger، أستاذ دراسات الهجرة والاندماج في جامعة إيراسموس في روتردام، إلى نمط يتكرر في العديد من الدراسات. يقول عبر اتصال فيديو: “الأحزاب المناهضة للهجرة تحقق أفضل نتائجها في المناطق التي يعيش فيها عدد قليل جدًا من المهاجرين. فعندما لا يلتقي الناس بأشخاص حقيقيين، فإنهم يملؤون هذا الفراغ بالصور النمطية.” في هذا الفراغ تزدهر المفاهيم المجردة مثل: “التدفق” و”الكتلة” و “الباحثون عن فرص أفضل”. لكنها لا تخبرنا شيئًا عن الأشخاص الحقيقيين الذين لا يمكن التعرف إليهم إلا من خلال اللقاءات المباشرة.

يرى عالم الاجتماع Han Entzinger أن المبادرات الاجتماعية مثل Buddy to Buddy يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في هذا السياق. فهذه المبادرات تتيح للناس أن يلتقوا ببعضهم بطريقة بسيطة ومباشرة، وعلى قدم المساواة، وهو ما يشكل توازنًا في مواجهة صور الخوف التي تغذيها أحيانًا الخطابات السياسية. خلال مسيرته الطويلة، لاحظ Entzinger هذا التغيير مرارًا. ويقول إن جملة يسمعها كثيرًا تعبّر عن ذلك بوضوح: “ليخرج كل الأجانب من البلاد… إلا جاري، فهو رائع.” قد تبدو هذه العبارة مزحة، لكنها في نظره تحمل دقة سوسيولوجية كبيرة. فالمجهول غالبًا ما يثير النفور، بينما المعرفة تقود إلى الفضول والإنسانية. 

فعندما يتعرف الناس على بعضهم حقًا، تتغير نظرتهم. لم يعودوا يرون “مجموعة مجهولة”، بل شخصًا محددًا: إنسانًا له اسم، وله قصة، وله أطفال يذهبون إلى المدرسة، وله هموم تشبه هموم الآخرين. ويؤكد Entzinger أن هذا التغيير يظهر بوضوح على المستوى الصغير، عندما يتعرف شخصان إلى بعضهما بشكل حقيقي. لكنه يضيف أن هذه التحولات الصغيرة يمكن أن يكون لها تأثير أكبر مما نتخيل. فهي تؤثر في طريقة تعامل الناس مع الأخبار والعناوين الصحفية، وتجعلهم أكثر استعدادًا لتصحيح الأفكار الخاطئة في محيطهم. وربما تؤثر أيضًا في الطريقة التي يصوّتون بها في الانتخابات.

من الناحية النظرية يبدو الأمر بسيطًا: عندما يلتقي الناس ويتعرفون إلى بعضهم، ينشأ الفهم المتبادل. لكن كيف يحدث ذلك في الواقع؟ يقول Entzinger إن هذا يتضح بشكل كبير في القرى أو المدن التي يُفتتح فيها مركز جديد لطالبي اللجوء. “في البداية تظهر الاحتجاجات: اجتماعات غاضبة، لافتات اعتراض، ومخاوف من السكان. لكن بعد افتتاح المركز، ومع مرور الوقت، يبدأ الناس بلقاء بعضهم في الحياة اليومية: في السوبرماركت، أو في ساحة المدرسة، أو في نادي كرة القدم. ومع هذه اللقاءات تتغير الصورة تدريجيًا وتصبح أكثر طبيعية.”

أحيانًا يتحول الاعتراض إلى دعم

في بعض الحالات يحدث تحول كامل في الموقف. ففي منطقة Crailo في هولندا عام 2016، لم يحتج السكان على مركز اللجوء، بل خرجوا للاحتجاج من أجل إبقائه مفتوحًا. السبب بسيط: لقد تعرفوا على الأشخاص الذين يعيشون فيه، ولم يعودوا يريدون أن يُغلق المكان ويغادر جيرانهم الجدد. وتوجد أمثلة أخرى مشابهة، مثل مشروع Plan Einstein في مدينة أوتريخت، حيث اختار السكان الاستمرار في التواصل مع الوافدين الجدد بدل الابتعاد عنهم.

الاستقطاب يبدأ غالبًا بشكل غير واضح

تشير أبحاث منصة المعرفة للاندماج والمجتمع (KIS) إلى أن الاستقطاب في المجتمع لا يبدأ فجأة بصدامات حادة، بل يتطور على مراحل. في البداية يكون هناك نوع من الانزعاج الصامت: نكات صغيرة جارحة، أو شعور بالشك، أو طريقة تفكير تقوم على “نحن” و“هم”. ومع الوقت قد تتحول هذه الأفكار إلى قناعات أقوى مثل: “هم يحصلون على كل شيء”، أو “هم لا يريدون الاندماج”، أو “لم يعد مسموحًا لنا أن نقول شيئًا”.

لكن الخبر الجيد هو أن هذه المرحلة المبكرة تترك مجالًا كبيرًا للتغيير. فالأبحاث تشير إلى أن التدخلات تكون أكثر فاعلية في هذه المرحلة تحديدًا، قبل أن تتحول التوترات إلى صراعات واضحة. يمكن تحقيق ذلك عبر تنظيم لقاءات إيجابية بين الناس، أو التأكيد على الهويات المشتركة بينهم مثل: الجار، أو الزميل في العمل، أو أحد أولياء الأمور في المدرسة. كما أن الاعتراف بمشاعر القلق أو الخسارة لدى الناس قد يساعد في تخفيف التوتر. والأهم هو دعم الأصوات المعتدلة بدل ترك الساحة للأصوات الأكثر تطرفًا.

التواصل الحقيقي يقلل الأحكام المسبقة

الآثار الإيجابية للتواصل بين الناس ليست مجرد انطباعات، بل هي موضوع دراسات علمية منذ عقود. فمنذ ستينيات القرن الماضي يتحدث علماء النفس الاجتماعي عن ما يسمى “فرضية الاتصال”. وتقول هذه الفرضية إن التواصل الحقيقي بين مجموعات مختلفة من الناس يقلل من الأحكام المسبقة، ويزيد من التعاطف بينهم، ويجعل مواقفهم أكثر اعتدالًا. وقد تأكدت هذه الفكرة مرارًا في دراسات دولية وفي أبحاث داخل هولندا. وتشير النتائج إلى أن الأشخاص الذين لديهم تواصل منتظم مع لاجئين أو مهاجرين تكون نظرتهم إلى الهجرة أكثر إيجابية مقارنةً بمن يعرفون هذه الفئات فقط من خلال التلفزيون أو وسائل التواصل الاجتماعي.

الشعور بالانتماء مهم جداً

لكن تقليل الأحكام المسبقة ليس سوى جزء من القصة. فالسؤال الأهم هو: كيف يمكن للناس أن يشعروا فعلًا بأنهم ينتمون إلى المجتمع؟ الباحثة Anja Machielse تنظر إلى هذا الموضوع من زاوية أخرى. وهي أستاذة فخرية في جامعة الدراسات الإنسانية، كما تترأس اللجنة العلمية لمبادرة “معًا ضد الوحدة” في هولندا. تستخدم Machielse مفهوم “البيئة الاجتماعية”، وهو مفهوم مأخوذ من عالم النفس الكندي Michael Ungar. ويشرح هذا المفهوم كيف يؤثر المجتمع والبيئة المحيطة في شعور الإنسان بالانتماء.

تقول Machielse إن الشعور بالانتماء يعني قبل كل شيء أن يشعر الإنسان بالتقدير والاعتراف به. أي أن يشعر بأنه مقبول في المجتمع. وعندما يشعر الإنسان بذلك يصبح أكثر قوة وقدرة على التكيف. في أبحاثها تسمي غياب هذا الشعور “الوحدة الوجودية”. وهي ليست مجرد نقص في العلاقات الاجتماعية، بل شعور أعمق بأن الشخص لا يجد مكانًا له في المجتمع الذي يعيش فيه.

وتظهر هذه الحالة لدى مجموعات مختلفة من الناس: كبار السن الذين يعيشون في مجمعات سكنية مجهولة، أو الشباب الذين يعيشون بين ثقافتين، أو الأشخاص الذين لا تُقبل هويتهم بسهولة في المجتمع. كما تظهر أيضًا لدى الوافدين الجدد الذين يجدون أنفسهم فجأة في بلد جديد بلغة وثقافة ونقاشات سياسية مختلفة تمامًا.

مجتمع يفسح المجال للجميع

عندما يحرص المجتمع على فتح مساحة للأشخاص المختلفين، يمكنه أن يخفف هذا الشعور بالعزلة. كما يصبح المجتمع نفسه أقل عرضة للخوف وسوء الفهم والاستقطاب السياسي. وهنا يظهر مفهوم “البيئة الاجتماعية” في الواقع العملي. فهو لا يبقى فكرة نظرية، بل يتشكل في الأماكن التي يلتقي فيها الناس بشكل منتظم وعلى قدم المساواة: في الحي، أو في المدرسة، أو في مكان العمل، أو في المبادرات الاجتماعية مثل Buddy to Buddy. 

ورغم أن المشروع يقوم أساسًا على لقاءات فردية بين شخصين، إلا أن التجربة في الواقع تتحول إلى مجتمع صغير. فغالبًا ما تضم كل دورة من المشروع مجموعات من أربعين إلى ثمانين شخصًا يلتقون بانتظام، ويقضون أمسيات مشتركة، ويتواصلون عبر مجموعات الرسائل، ويحتفلون بأعياد الميلاد أو يخرجون في نزهات جماعية. وترى Machielse أن مثل هذه الشبكات الاجتماعية غير الرسمية هي التي تصنع الفارق الحقيقي. 

كما تؤكد الباحثة إن البرامج العامة، مثل الدورات أو اللقاءات المعلوماتية التي تُنظم لمجموعة كبيرة من الناس، غالبًا ما تعطي نتيجة عامة تشبه “المتوسط الجماعي”. وتوضح:

“في مثل هذه الأنشطة يكون التركيز أقل على الشخص نفسه، وعلى قصته الفردية. بينما تكوين الهوية والشعور بأنك تستطيع أن تكون نفسك يحتاجان إلى علاقات تسمح بوجود مساحة لقصتك الشخصية. ولهذا السبب يحدث بناء الهوية بشكل أفضل في العلاقات الفردية، واحد لواحد.”

لكن هذا النوع من اللقاءات يحتاج إلى شرط مهم: أن يكون التواصل متكافئًا، وأن يكون هناك اهتمام حقيقي بقصة الطرف الآخر. فعندما يكون أحد الطرفين في موقع العطاء فقط والآخر في موقع التلقي فقط، قد تنشأ علاقة غير متوازنة. وترى Machielse أن اللقاء يصبح ذا معنى حقيقي عندما يشعر الطرفان أن لكل منهما ما يقدمه للآخر: وصفة طعام، أو نكتة، أو ذكرى، أو حتى طريقة مختلفة للنظر إلى الأشياء. فالتبادل المتكافئ لا يجعل العلاقة أكثر متعة فقط، بل يساعد أيضًا على ألا يبقى أحد الطرفين في دور التابع أو المحتاج، بل يصبح مشاركًا كاملًا في العلاقة وفي المجتمع. “عندما يُعامل الإنسان كإنسان كامل، له أفكاره ومهاراته وروح الدعابة الخاصة به، يصبح قادرًا على التحرر والنمو.”

كسر الأحكام المسبقة

تظهر أبحاث مؤسسة Movisie الهولندية، التي نُشرت عام 2022، نتائج مشابهة لما توصلت إليه أبحاث منصة KIS. فحين يعمل أشخاص من خلفيات ثقافية أو دينية مختلفة معًا على شيء ملموس – مثل تنظيم نشاط، أو إعداد وجبة، أو إقامة بطولة رياضية – أو عندما يتبادلون قصصًا شخصية في أجواء مريحة، ينشأ بينهم شعور بالثقة بشكل أسرع. يطلق الباحثون على هذا الأمر اسم “الانكشاف المتبادل”. أي أن يشارك كل شخص جزءًا صغيرًا من نفسه، ويلاحظ أن الطرف الآخر يفعل الشيء نفسه. هذه العملية البسيطة هي التي تساعد على كسر الأحكام المسبقة، وتخفف الحدود بين “نحن” و“هم”، وتجعل الاختلافات أقل تهديدًا.

أشخاص يرافقونك في الطريق

ينتقد عالم الاجتماع Han Entzinger، المتخصص في دراسات الهجرة والاندماج، بعض جوانب السياسات الحالية المتعلقة بالاندماج. ويرى أن السبب في ذلك هو أن العلاقات الاجتماعية هي المحرك الحقيقي للاندماج. ويقول: “إذا سألت عشرة من صانعي السياسات كيف نقيس الاندماج، سيذكر معظمهم أمرين: اللغة والعمل. وهذا صحيح، لأن المشاركة في المجتمع صعبة من دون لغة أو دخل. لكن هذه ليست إلا نصف الحقيقة.”

فبحسب Entzinger، ما يحتاجه الاندماج قبل كل شيء هو الأمان والاستقرار القانوني. أي أن يعرف الإنسان وضعه بوضوح وأن يكون لديه أمل في المستقبل. بعد ذلك تأتي اللغة والعمل. لكن تعلم اللغة والعثور على وظيفة يصبحان أسهل بكثير عندما يكون الشخص جزءًا من شبكة اجتماعية. ويشرح ذلك قائلًا: “أنت بحاجة إلى أشخاص يمكنك أن تسألهم، وأن يساعدوك على فهم البلد وكأنهم يترجمونه لك.”

المساعدة يتحدث من تجربة طويلة. ففي عام 1994 شارك مع باحث آخر في إعداد تقرير للحكومة الهولندية شكّل لاحقًا أساس سياسة الاندماج الإلزامي في هولندا، وهي السياسة التي أصبحت لاحقًا نموذجًا استلهمته دول أوروبية أخرى. لكن ذلك التقرير نفسه يُظهر أيضًا أن الاندماج ليس مهمة فردية فقط. إنه عملية مشتركة تتحمل فيها أيضًا المجتمعات المستقبِلة جزءًا من المسؤولية.

يمكن للحكومات أن تدعم هذه العملية من خلال الاستثمار في الأماكن التي تسمح للناس بالالتقاء: مثل المراكز المجتمعية، والمبادرات التطوعية، ومشاريع التعارف، أو مراكز الاستقبال الصغيرة. كما يمكنها من خلال خطابها العام أن تؤكد أن الناس مرحب بهم، وأنهم مرئيون ومهمون في المجتمع. ففي زمن أصبح فيه التماسك الاجتماعي أكثر هشاشة، تعيد المبادرات الاجتماعية مثل Buddy to Buddy إحياء قيم قد تبدو مهددة بالاختفاء: الفضول تجاه الآخر، والشعور بالارتباط، والتبادل المتكافئ.

وربما تكمن القيمة الأكبر لهذه المبادرات في أنها تذكّرنا بأن العيش المشترك ليس أمرًا ثابتًا أو خلفية جامدة تدور فيها السياسة، بل مهارة اجتماعية يجب ممارستها باستمرار. مهارة تبدأ غالبًا بلقاء بسيط بين شخصين مستعدين لرؤية بعضهما حقًا. وربما، من دون أن يدركا ذلك، يساهم هذان الشخصان في بناء أساس مجتمع أكثر تماسكًا وقوة.

كوادر: kaders 

المسافة الاجتماعية بالأرقام

رغم أهمية التواصل، تشير الأرقام إلى أن الاختلاط بين المجموعات المختلفة لا يزال محدودًا:

• نحو 80 بالمئة من الهولنديين الذين ليس لديهم خلفية مهاجرة لديهم في أوقات فراغهم تواصل قليل جدًا مع أشخاص من مجموعات أخرى.

• في عام 2012 كان 66 بالمئة من الناس يتحدثون مع جيرانهم أسبوعيًا، لكن هذه النسبة انخفضت إلى 58 بالمئة في عام 2018.

• كما تظهر أبحاث SCP لعام 2024 أن الفوارق الاجتماعية-الاقتصادية تتزايد، وأن الهولنديين الأكثر ثراءً يلتقون بشكل أقل بالأشخاص من الطبقات المتوسطة أو الأقل دخلًا.

…..

التواصل يغيّر نظرة الناس تجاه اللاجئين

تُظهر الأبحاث أن الأشخاص الذين لديهم تواصل متكرر – وخاصة تواصل إيجابي – مع أشخاص من خلفيات مهاجرة، تكون نظرتهم عادةً أكثر إيجابية تجاه اللاجئين.

هذا ما توصلت إليه دراسة أوروبية واسعة نُشرت عام 2020 في مجلة Group Processes & Intergroup Relations. وقد شملت الدراسة نحو ستة آلاف شخص في هولندا وبلجيكا وفرنسا والسويد. طرح الباحثون أسئلة مثل:

هل لديك أصدقاء من خلفية مهاجرة؟ كم مرة تلتقي بأشخاص من خلفيات مختلفة؟ وهل تشعر بالراحة في هذا التواصل أم بعدم الارتياح؟

….

في التواصل، الجودة أهم من الكمية

قد يظن البعض أنه لا يلتقي بما يكفي من أشخاص خارج دائرته الاجتماعية. لكن الأبحاث تشير إلى أن جودة اللقاء أهم بكثير من عدد اللقاءات.

ففي دراسة بعنوان “ديناميكيات المواقف تجاه المهاجرين في المجتمع الهولندي”، التي أعدها الباحث Rover Temming في جامعة رادبود عام 2020 وشملت قرابة ألفي شخص في هولندا، تبين أن لقاءً إنسانيًا دافئًا واحدًا قد يكون أكثر تأثيرًا من عشرة لقاءات سطحية أو رسمية.

كما أظهرت الدراسة أن كثيراً من آراء الناس حول الهجرة لا تأتي من تجارب شخصية، بل تتشكل أساساً من خلال الأخبار أو النقاشات السياسية.

….

العلاقات الاجتماعية مفتاح الاندماج

يساعد التواصل بين الناس على بناء الثقة، ويقلل من الصور النمطية السلبية، كما يمكن أن يكون عامل حماية من التمييز أو الإقصاء.

هذا ما تؤكده دراسة شاملة نشرتها مؤسسة Movisie عام 2022، قارنت نتائج عشرات الأبحاث حول التواصل بين أشخاص من خلفيات دينية وثقافية مختلفة.

كما يوضح تقرير “أقرب إلى بعضنا؟” الصادر عن مكتب التخطيط الاجتماعي والثقافي الهولندي (SCP) عام 2012 مدى أهمية ما يسمى العلاقات الجسرية بالنسبة للوافدين الجدد. فالأشخاص الذين لديهم تواصل منتظم مع هولنديين: يتحدثون اللغة الهولندية بشكل أفضل، يشعرون بانتماء أكبر إلى المجتمع، ويصلون أسرع إلى فرص العمل أو التعليم أو الأنشطة الاجتماعية.

وفي كثير من الحالات، يتبين أن جودة شبكة العلاقات الاجتماعية للشخص قد تكون أكثر تأثيرًا على فرصه من الحافز الشخصي أو الجهد الفردي.

Door: Yaghoub Sharhani